ابن ميثم البحراني
415
شرح نهج البلاغة
بدرجة المترفين ، ولا ما يلحقه بأهل الخسّة والدناءة ممّا يخرج به عن عرف الزاهدين في الدنيا . الثالثة : مشى التواضع ، والتواضع ملكة تحت العفّة تعود إلى العدل بين رذيلتي المهانة والكبر ، ومشى التواضع مستلزم للسكون والوقار عن تواضع نفسهم . الرابعة : غضّ الأبصار عمّا حرّم اللَّه ، وهو ثمرة العفّة . الخامسة : وقوفهم أسماعهم على سماع العلم النافع ، وهو فضيلة العدل في قوّة السمع ، والعلوم النافعة ما هو كمال القوّة النظريّة من العلم الإلهي وما يناسبه ، وما هو كمال للقوّة العمليّة وهى الحكمة العمليّة كما سبق بيانها . السادسة : نزول أنفسهم منهم في البلاء كنزولها في الرخاء : أي لا تقنط من بلاء ينزل بها ولا يبطر برخاء يصيبها بل مقامها في الحالين مقام الشكر . والَّذي صفة مصدر محذوف ، والضمير العايد إليه محذوف أيضا ، والتقدير نزلت كالنزول الَّذي نزلته في الرخاء ، ويحتمل أن يكون المراد بالَّذي الَّذين محذف النون كما في قوله تعالى « كَالَّذِينَ مِنْ » ويكون المقصود تشبيههم حال نزول أنفسهم منهم في البلاء بالَّذين نزلت أنفسهم منهم في الرخاء ، والمعنى واحد . السابعة : غلبة الشوق إلى ثواب اللَّه والخوف من عقابه على نفوسهم إلى غاية أنّ أرواحهم لا تستقرّ في أجسادهم من ذلك لولا الآجال الَّتي كتبت لهم ، وهذا الشوق والخوف إذا بلغ إلى حدّ الملكة فإنّه يستلزم دوام الجدّ في العمل والإعراض عن الدنيا ، ومبدأهما تصوّر عظمة الخالق ، وبقدر ذلك يكون تصوّر عظمة وعده ووعيده ، وبحسب قوّة ذلك التصوّر يكون قوّة الخوف والرجاء ، وهما بابان عظيمان للجنّة . الثامنة : عظم الخالق في أنفسهم ، وذلك بحسب الجواذب الإلهيّة إلى الاستغراق في معرفته ومحبّته ، وبحسب تفاوت ذلك الاستغراق يكون تفاوت تصوّر العظمة ، وبحسب تصوّر عظمته تعالى يكون تصوّرهم لأصغريّة ما دونه ونسبته إليه في أعين بصائرهم .